العدل والحق في الإسلام… ميزان السماء وقاعدة الأرض
حين نتأمل رسالة الإسلام، ندرك أن العدل لم يكن مجرد خُلق كريم يُستحسن التحلي به، بل هو قاعدة راسخة وميزان إلهي قامت عليه السماوات والأرض. فالعدل في الإسلام ليس خيارًا ثانويًا، وإنما هو حق واجب، وأمر رباني لا يسع المسلم تجاوزه أو التفريط فيه.
لقد جاء الإسلام في زمن كثرت فيه المظالم، وسادت فيه شريعة الغاب، فجعل العدل أول معالم الإصلاح، وربطه بالحق ربطًا لا انفصام له. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، وجاءت هذه الآية جامعة مانعة لتعلن أن العدل قيمة لا يسقطها سلطان ولا يلغى أثرها اختلاف دين أو لون أو نسب.
في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مواقف تكتب بماء الذهب في إرساء هذا المبدأ. فعندما اختصم يهودي مع مسلم، لم يتردد النبي في الحكم بالحق لليهودي رغم اختلاف العقيدة، ليؤكد أن العدل فوق العصبيات والانتماءات. وحين جاءت قريش لتشفع في امرأة سرقت من أشرافهم، رفض الشفاعة وقال قولته الشهيرة: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.
ولم يكن العدل في الإسلام قاصرًا على ساحات القضاء، بل تعداه إلى أوسع من ذلك؛ عدل الحاكم مع رعيته، وعدل الوالد مع أبنائه، وعدل التاجر في ميزانه، وعدل الإنسان مع نفسه، فلا يظلمها باتباع الشهوات أو حرمانها من حقوقها المشروعة.
أما الحق، فهو الوجه الآخر للعدل، فلا عدل بغير حق، ولا حق بغير عدل. والإسلام جعل الحق مقدسًا، حتى في الكلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”. فجعل كلمة الحق سلاحًا في مواجهة الطغيان، ووسيلة لحماية المجتمع من الانحراف والفساد.
اليوم، ونحن نعيش في زمن تتعدد فيه صور الظلم وتتنوع ألوان التزييف، يبقى العدل والحق هما القاعدة التي لا نجاة للأمم بغيرها. فالمجتمعات التي تُقيم موازينها على العدل تعيش في طمأنينة واستقرار، أما التي تهمل الحق وتستهين به، فإنها تسير نحو التصدع والانهيار ولو بدت قوية في ظاهرها.
إن الإسلام حين رفع راية العدل والحق، إنما قدّم للبشرية دستورًا خالدًا، لا يشيخ بمرور السنين، ولا يضعف أمام تقلبات الأزمنة. فالعدل والحق هما روح الشريعة وجوهرها، وهما الطريق الأقوم لبناء إنسان حر، ومجتمع سوي، وأمة قوية.