في زحمة الدنيا، حيث تتعالى الأبراج، وتُرصّع الشوارع بالإعلانات، وتُرفع الشعارات بغير حساب… يقف الإنسان مذهولًا أمام ما شيّده البشر بأيديهم، وما عرَشوه من مظاهر الرفاهية والترف. كلٌّ يفاخر بإنجازه، ويُغالي في زخرفته، حتى يخيَّل إلينا أن العمران هو الغاية، وأن ما يعرشون هو معيار القوة والكرامة.

لكن تأتي الآية: “وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ” (النحل: 96) لتُذكّرنا بأن كل ما يُبنى على الأرض من قصور، وكل ما يُشيَّد من صروح، هو إلى زوال، بينما الرحمة الإلهية باقية، واسعة، لا تحدها جدران ولا تقف عند حدود.

الرحمة الإلهية ليست فقط في الرزق أو الشفاء، بل في السكينة التي تُلقى في قلبك حين يضيق صدرك، وفي النجاة من كربٍ لم تَحسب له حسابًا، وفي سترٍ يغشاك فلا يفضحك زلل، ولا يهتك سترك خطأ. إنها الخير الحقيقي، الذي يعلو على كل ما “يعرشون” من زخرف الدنيا.

في عصرٍ باتت فيه القيم تُقاس بعدد الأبراج والرصيد البنكي وعدد المتابعين، نحتاج أن نتوقف قليلًا أمام هذه الحقيقة القرآنية: إن ما يُرفع فوق الأرض يظل مجرد بناء، قد ينهار مع أول ريح أو أول أزمة اقتصادية. أما ما يرفعه الله من رحمة في قلبك وحياتك، فهو الذي يبقى، وهو الذي يقيك العثرات.

هكذا يوجّهنا النص الإلهي أن لا نُغري أبصارنا بما صنع البشر، وأن نبحث في رحمة الله، فهي وحدها القادرة أن تعوضك عن ضيقك، وأن تمنحك ما لا يمنحه أي عمران. ورحمة ربك خير، وأبقى، وأوسع… مما يعرشون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *